القاسم بن إبراهيم الرسي
221
مجموع كتب ورسائل الإمام القاسم بن إبراهيم الرسي
السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 79 ) [ الأنعام : 78 - 79 ] . والفاطر هو : المبتدئ الصانع ، والحنيف هو : المخبت « 1 » الخاشع ، فاستدل صلوات اللّه عليه بدلائل اللّه من سماواته وأرضه ، على أن اللّه صانع لذلك كله لا لبعضه ، وتبرأ صلى اللّه عليه من شرك كل من أشرك ، إذ رأى كل نجم منها إنما يسلك كما أسلك ، بما رآه بيّنا في جميعها ، من تدبير بديعها ، في الجيئة والطلوع ، والذلة الخشوع ، وعلم أنّه لا يكون ما رأى منها عيانا ، وأدركه فيها إيقانا ، من الطلعة والأفول ، إلا من مصرف ناقل غير منقول ، فقال صلى اللّه عليه : وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ . الذين أشركوا بين المالك والمملوكين ، تجاهلا بما يعلمون ، ومكابرة لما يرون ، من التزايل والفرق ، بين الخالق والخلق ، والمبتدع والبدائع ، والصانع الصنائع . وفي الدلالة على اللّه بدلائله ، وبما جعله دليلا عليه من جعائله ، ما يقول لهم صلى اللّه عليه ، فيما كانوا من الشرك فيه : قالَ أَ فَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ( 75 ) أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ ( 76 ) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ ( 77 ) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ ( 78 ) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ ( 79 ) وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ( 80 ) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ ( 81 ) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ ( 82 ) [ الشعراء : 75 - 82 ] . فلما رأى صلى اللّه عليه ما رأى من عالم ومعلوم ، وكل ما أدركه وهم من الوهوم ، ملكا مربوبا ، وصنعا مغلوبا ، قال صلى اللّه عليه : إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ . الذي هو رب السماوات كلها والأرضين . ثمّ ابتدأ احتجاجا عليهم للّه في معرفته ، بما لا يوجد سبيل إلى دفعه من صفته ، وما بان اللّه به من خصائص الأنعات ، التي لا توجد إلا فيما له من الصفات . قال صلى اللّه عليه : الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ ( 78 ) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ ( 79 ) وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ( 80 ) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ ( 81 ) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ ( 82 ) . فهو اللّه الخالق الذي لا خالق سواه ، والهادي الذي لا يشبه هدى هداه ، والمطعم الساقي الذي لا يطعم ولا يشرب إلا من أطعمه وسقاه ،
--> ( 1 ) المخبت : المطمئن المتواضع .